لا يمكن الحديث عن تاريخ مدينة المرسى دون الحديث عن تاريخ البايات وعن العرش الحسيني تحديدا الذي تأسست فيه المدينة على شكلها الحالي المعروف لدى الجميع.
 

موجز عن تاريخ تونس في عهد البايات

  في بداية القرن الثامن عشر  أدّى انحلال السلطة العثمانية في تونس الى تأسيس ملكية حكمت البلاد لمدة ثلاثة قرون. تسعة عشر بايا (كنية ملك تونس) تعاقبوا على السلطة منذ سنة 1705 للميلاد الى حين اعلان الجمهورية سنة 1957.

سنة 1705 تمكن الآغا الحسين بن علي، وقد كان قائد الصبايحية وهم فرقة من خيّالة الجيش العثماني، من استغلال الفتنة والنزاعات القائمة بين بشوات تونس ممثلي الباب العالي للانقلاب عليهم وافتكاك السلطة مؤسسا بذلك ملكيّة جديدة مستقلة عن الباب العالي. بذلك تكون الملكية الوراثية الحسينية تأسست رسميا في تونس.

فلقد تمكن أول بايات العهد الحسيني من اعادة استتبات الأمن في الايالة التونسية الشابة دون التمكن من انهاء نزاعات الارث والخلافة. يجب انتظار حكم علي باشا (1759-1782) ثم حمّودة باي (1782-1814 ) ليتمكن النظام الجديد من فرض سيادتة على كامل التراب التونسي.

بداية من ثلاثينيات القرن التاسع عشر تمكن أحمد باي (1837-1855) وخلفاؤه انتهاج سياسة تحديث وعصرنة شاملة. وقد تمّ انهاء العبودية والرق من قبل العرش الحسيني قبل أغلبية الأوطان الأوروبية. وفي سنة 1861 تمّ اعلان أول دستور يقنن مفهوم المواطنة والدولة الحديثة. وعلى الصعيد الاقتصادي كانت الايالة التونسية في أزمة أضعفت سلطة البايات.

في مؤتمر برلين لسنة 1878 قررت الدول العظمى اقتسام العالم. ورغم احتجاج ايطاليا سُمح لفرنسا باحتلال تونس في ماي 1881. وقد تمّ توقيع معاهدة باردو مع محمد الصادق باي (1859-1882) التي تمنكت من خلالها فرنسا من الاستعمار العسكري المباشر. وقد حافظ الباي على مركزه محتفظا بسلطة التشريع والادارة لكن كل القرارات لا تكون نافذة الا بقبول المقيم العام الفرنسي.

وبالرغم من كل ذلك تمكن اصلاح التعليم وتأسيس المعهد الصادقي من طرف محمد الصادق باي سنة 1875 من نشوء نخبة مثقفة وواعية ذات حس وطني.

ولقد كان للحرب العالمية الثانية التي مكنت ألمانيا من احتلال تونس الى حدود 1943 دور في تغيير الكثير من المعطيات: لقد مثلت امكانية مساندة الوطنيين التونسيين لقوى المحور فرصة لاسماع صوتهم لدى قوى الاستعمار. وموازاة لحزب  الدستور الجديد بقيادة المحامي الشاب الحبيب بورقيبة سعى المنصف باي الذي استلم الحكم سنة 1942 الى تنبني المطالب الوطنية وايصالها الى حكومة فيشي مما متـّعه بشعبية كبيرة لدى الشعب التونسي. لكن وطنية المنصف باي سارعت في ازاحته عن العرش ونفية الى بو (Pau) حيث مات منفيا سنة 1948 لتعين القوى الفرنسية مكانه الأمين باي (1943-1957) الأقـل كاريزما والأكثر طواعية لفرنسا.

وفي 20 مارس 1956 تحصلت تونس على الاستقلال وأعلنت الجمهورية في 25 جويلية 1957 وأزيح الأمين باي عن العرش بطريقة مهينة حيث صودرت أملاك البايات ووقع وضعه تحت الاقامة الجبرية الى حد وفاته. وبذلك كانت نهاية العرش الحسيني الذي حكم تونس لمدة ثلاثة قرون.

 

المرسى من عهد البايات الى اليوم

  المرسى كانت مدينة الاقامة الصيفية للبايات في حين كانت باردو مركز الاقامة والحكم. ولقد سّماها أهلها بفخر غير مستـتر "أميرة القلوب". ولقد حملت المرسى في العهد البونيقي اسم المغارة (Megara) وقد كانت ميناءا بونيقيا متطورا يضاهي و ينافس ميناء قرطاج. وتقع المرسى في خليج هو سهل بين جبلين: جبل المنار المعروف بسيدي بوسعيد و جبل قمرت . وهي أساسا محطة اصطياف شهرت بجمال مناظرها ورقة نسيمها وصفاء بحرها.

ولقد مكنت هذه الظروف المناخية الى جانب جمال الطبيعة والتضاريس من أن تكون قبلة أهل العلم و الدين والمال المقيمين في مدينة تونس المجاورة. فقد كان الولي الصالح سيدي عبد العزيز مزار أهل الدين والتـقى. وقد توافد على المدينة للاقامة فيها الفناون والرسامون والمسرحيون وأغنياء التجار متبعين بذلك البايات في رحلة شتائهم و صيفهم. فمنذ بداية القرن التاسع عشر اتخذها باي تونس مقاما وبنا بها الكثير من القصور حيث تقيم العائلة المالكة من ماي الى سبتمبر من كل سنة. ففي 1855 بنا محمد باشا دار التاج. بعده اهتم خليفته بخصوصية الأميرات عند السباحة فبنى لذلك على شاطىء البحر جناحا خاصا للغرض هو قبة الهواء التي تتقدم في البحر حاجبة بذلك طقوس السباحة عن أعين المتطفلين.

وفي عهد الناصر باي تم بناء قصر السعادة لفائدة للة قمر زوجة الأمير. وقصر السعادة محاط بحديقة وارفة الأشجار تحجب نظر المتطلعين من الأنهج المجاورة. ولقد استعمل هذا القصر بعد الاستقلال كدار ضيافة حيث أقامت فيه العديد من الأمراء و الرؤساء الذين زارو تونس.

ولقد أعطت اقامة البايات في المرسى بعدا سياسيا لهذه المدينة حيث أصبحت مقرا لكثير من السفارات والقنصليات المقامة من وسط المدينة في اتجاه قمرت. وقد استغلت بعض الدول كرم البايات للحصول على قصور لم يكن الباي يستعملها. وهكذا تمت هبة قصر في مدخل مدينة المرسى الى بريطانيا لتقيم فيه قنصلية. وهو في الأصل قصر اصطياف بناه البايات.

 أما اقامة فرنسا في وسط المدينة فكانت تسمى بدار المقيم وقد تمّ اهداؤها سنة 1774 لحكومة الفرنسية من طرف الباي علي بن الحسين. وهكذا أصبح هذين القصرين ملكا لدول أجنية ومن الحظ أنه تم الحفاظ على طابعهما المعماري و صيانتهما من التلف.

 وهذا الحظ لم يسعف قصر العبدلية الواقع في المرسى المدينة في حديقة ظلت منتزها وحديقة حيوانات استغله سكان المرسى كفضاء ترفيهي الى نهاية الستينيات من القرن العشرين. هذا و قد تم ترميم قصر العبدلية ليصبح فضاءا ثقافيا ويقع استعماله مند الدورة 41 لمهرجان قرطاج كفضاء لعرض الموسيقى الطربية و العروض المسرحية يتسع الى 500 متفرجا.

أما على الصعيد الاقتصادي فقد كانت المرسى بالأساس مدينة فلاحية اشتهرت بزراعة الحوامض والزيتون والباكورات منها خصوصا القناوية التي اشتهر أهلها بأكلها كطبق مميز. لكن مع زحف العمران تراجعت الفلاحة وتم تعويضها بالسياحة حيث أصبحت قمرت و نزلها قطبا سياحيا ذا صيت داخل البلاد وخارجها. كما أن للصناعة و التجارة نصيب كبير من الأنشطة الاقتصادية بالمدينة فقد انتصبت العديد من الوحدات الصناعية خصوصا في ميدان النسيج وحديثا صناعة الأدوية.